جلال الدين السيوطي
676
تحفة الأديب في نحاة مغني اللبيب
قال ابن الدورقيّ : اجتمع الكسائيّ واليزيديّ عند الرشيد ، فحضرت صلاة يجهر فيها ، فقدموا الكسائيّ ، فصلّى بهم ، فارتجّ عليه قراءة قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ [ سورة الكافرون ، الآية : 1 ] فلما سلّم قال اليزيديّ : قارئ أهل الكوفة يرتجّ عليه ( قل يا أيّها الكافرون ) فحضرت صلاة يجهر فيها ، وتقدّم اليزيديّ ، فصلّى ، فارتجّ عليه في سورة الحمد ، فلما سلّم قال : احفظ لسانك لا تقول فتبتلى * إنّ البلاء موكّل بالمنطق وعن أبي محمد بن حمدان ، قال : كان رجل يغتاب الكسائيّ ، ويتكلّم فيه . فكتب إليه ينهاه ، فما كان ينزجر ، فجاءني بعد أيام ، فقال لي : رأيت الكسائيّ في النوم أبيض الوجه . فقلت له : ما فعل الله بك يا أبا الحسن ؟ فقال : غفر لي بالقرآن إلا أني رأيت النبي ( صلّى اللّه عليه وسلم ) فقال لي : أنت الكسائيّ ؟ قلت : نعم يا رسول الله . قال : اقرأ . قلت : ما أقرأ يا رسول الله ؟ قال : اقرأ وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً فَالتَّالِياتِ ذِكْراً إِنَّ إِلهَكُمْ لَواحِدٌ [ سورة الصافّات ، الآية : ( 1 - 4 ) ] وضرب بيده كتفي ، وقال : لأباهينّ بك الملائكة غدا . وحكى الدوريّ ، قال : كان أبو يوسف يقع في الكسائيّ ويقول : أيّ شيء يحسن ؟ إنّما يحسن شيئا من كلام العرب . فبلغ ذلك الكسائيّ ، فالتقيا عند الرشيد ، وكان الرشيد يعظّم الكسائيّ لتأديبه إياه ، فقال لأبي يوسف : يا يعقوب ، أيش تقول في رجل قال لامرأته : أنت طالق طالق طالق ؟ قال : واحدة . قال : فإن قال لها : أنت طالق أو طالق أو طالق ؟ قال : واحدة . قال : فإن قال لها : أنت طالق ثم طالق ثم طالق ؟ قال : واحدة . قال : فإن قال لها : أنت طالق وطالق وطالق ؟ قال : واحدة . قال الكسائيّ : يا أمير المؤمنين ، أخطأ يعقوب في اثنتين ، وأصاب في اثنتين . أما قوله : أنت طالق طالق طالق ، فواحدة ؛ لأنّ الثنتين الباقيتين تأكيد ، كما تقول : أنت قائم قائم قائم ، وأنت كريم كريم كريم . وأما قوله : أنت طالق أو طالق أو طالق ، فهذا شكّ ، وقعت الأولى التي تتيقن ، وأما قوله : أنت طالق ثم طالق ثم طالق ، فثلاث ؛ لأنّه نسق ، وكذلك قوله : أنت طالق وطالق